سيد قطب

2249

في ظلال القرآن

وفي هذا التقرير تهديد خفي ، بعاقبة العمل والاتجاه ، ليأخذ كل حذره ، ويحاول أن يسلك سبيل الهدى ويجد طريقه إلى اللّه . وراح بعضهم يسأل الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عن الروح ما هو ؟ والمنهج الذي سار عليه القرآن - وهو المنهج الأقوم - أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه ، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته ؛ فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها اللّه لهم فيما لا ينتج ولا يثمر ، وفي غير مجالها الذي تملك وسائله وتحيط به . فلما سألوه عن الروح أمره اللّه أن يجيبهم بأن الروح من أمر اللّه ، اختص بعلمه دون سواه : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ . قُلِ : الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي . وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا « 1 » » . . وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل . ولكن فيه توجيها لهذا العقل أن يعمل في حدوده وفي مجاله الذي يدركه . فلا جدوى من الخبط في التيه ، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه لأنه لا يملك وسائل إدراكه . والروح غيب من غيب اللّه لا يدركه سواه ، وسر من أسراره القدسية أودعه هذا المخلوق البشري وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها . وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم اللّه المطلق ، وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود . والإنسان لا يدبر هذا الكون فطاقاته ليست شاملة ، إنما وهب منها بقدر محيطه وبقدر حاجته ليقوم بالخلافة في الأرض ، ويحقق فيها ما شاء اللّه أن يحققه ، في حدود علمه القليل . ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع ؛ ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف - الروح - لا يدري ما هو ، ولا كيف جاء ، ولا كيف يذهب ، ولا أين كان ولا أين يكون ، إلا ما يخبر به العليم الخبير في التنزيل . وما جاء في التنزيل هو العلم المستيقن ، لأنه من العليم الخبير . ولو شاء اللّه لحرم البشرية منه ، وذهب بما أوحى إلى رسوله ، ولكنها رحمة اللّه وفضله . « وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا . إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ، إِنَّ فَضْلَهُ ، كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً » . . واللّه يمتن على رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - بهذا الفضل . فضل إنزال الوحي ، واستبقاء ما أوحى به إليه ؛ المنة على الناس أكبر ، فهم بهذا القرآن في رحمة وهداية ونعمة ، أجيالا بعد أجيال . وكما أن الروح من الأسرار التي اختص اللّه بها فالقرآن من صنع اللّه الذي لا يملك الخلق محاكاته ، ولا يملك الإنس والجن - وهما يمثلان الخلق الظاهر والخفي - أن يأتوا بمثله ، ولو تظاهروا وتعاونوا في هذه المحاولة : « قُلْ : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » . . فهذا القرآن ليس ألفاظا وعبارات يحاول الإنس والجن أن يحاكوها . إنما هو كسائر ما يبدعه اللّه يعجز

--> ( 1 ) في الأرجح أن هذا السؤال جاء من أهل الكتاب وأن هذه الآية مدنية هي وسبع آيات بعدها .